روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

65

عرائس البيان في حقائق القرآن

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 4 إلى 11 ] إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ( 7 ) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 8 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 9 ) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 10 ) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) [ تفسير الآية 4 ] قال : « كنت كنزا مخفيّا ، وأحببت أن أعرف » « 1 » . ثم حثّهم بالتفكر والتذكر بقوله : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ : أي : أفلا تخوضون في بحار الأفكار لتدركوا حقائق الأذكار ، وتبصروا بها حقائق الأنوار ، وتنكشف لكم لطائف الأسرار . قال بعضهم في قوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ : يختار العبد ما هو خير له من اختياره لنفسه . ثم بيّن سبحانه أن نفسه تعالى مرجع كل غريق فيه ، ومنجى كل خائف منه ، ومأوى كل هائم له ، ومآب كل أواب إليه ، ومقصد كل قاصد إليه ، ومطلب كل طالب له ، ومنتهى همة كل سيّار في أسفار آزاله وآباده بقلبه وروحه وسره إليه بقوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ، كل صفة منه تعالى مراد كل مجذوب بنورها إليه من القدم إلى الأبد ، فمرجع العاشقين جماله ، ومرجع العارفين جلاله ، ومرجع الموحدين كبرياؤه ، ومرجع الخائفين عظمته ، ومرجع المشتاقين وصاله ، ومرجع المحبين دنوه ، ومرجع أهل الفناء ذاته ، أنوار ذاته أوطان أرواح القدسية ، وأنوار صفاته مزار قلوب الوالهة ، وأنوار أفعاله مقرّ عقول الهائمة ، تعالى جلاله عن علة الحدثان والأكوان ، والحدثان يرجع إلى مصرف وجود القدم ؛ لأنها بدت منه ، وإليه تعود ، هو مقدّس بعظمته عن أن يكون محلا للحادث ، وتصديق ذلك بيانه في آخر الآية : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ : أبدأهم من العدم بتجلي القدم .

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 173 ) .